عبد الملك الجويني
369
نهاية المطلب في دراية المذهب
الكل . فإذا اضطُر الرجل ، وانتهى إلى المخمصة ، ومعه ما يسدّ جوعته ، وفي رفقته مضطرٌ فآثره بالطعام ، فهو حسن ، وكذلك القول في جملة الأسباب التي تتدارك بها المهج ، ولا خلاف أنه لا يحل إيثارُ بهيمةٍ ، وكيف يظن الظان هذا ، ويجب قتل البهيمة لاستبقاء المهجة . 11243 - ولو كان الصائل على الإنسان مجنوناً أو مراهقاً ، فمعلوم أنه لا يبوء واحدٌ منهما بالإثم ، ولو استسلم للقتل ، وللأصحاب طريقان فيهما : منهم من لم يجوّز الاستسلام ، ونزلهما منزلة البهيمة في هذا المقام ، واستمسك بما أجرى الله تعالى ذكره في قصة هابيل ؛ إذ قال عز وجلّ : { إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِك } [ المائدة : 29 ] . ومن الأصحاب من أجرى قولي الاستسلام في الصبي والمجنون ( 2 ) ؛ لأن المعنى المتبع في ضبط هذا القول محاذرة الزيادة على قدر الحاجة في الدفع ، والصائل آدمي محترم ، وهذا المعنى يتحقق ، وإن كان الصائل لا يبوء بالإثم ، وأيضاً فإن للقتيل القرب من مرتبة الشهادة ، وهذا المعنى يجري في الصبي والمجنون إذا صالا . 11244 - وأما الذميّ إذا كان هو الصائل ، فالوجه الدفع ؛ فإنه لا يجوز الاستسلام ، وإن كانت الذمة توجب حقن دمه ؛ لأنه بصياله ناقصٌ عهده ؛ فتسقط حرمته ، ويبقى كافراً صائلاً على مسلم ، فإن قيل : أليس من الأصحاب من يقول : لا تنتقض الذمة بالقتل ؟ قلنا : ذلك وجه ضعيف ، ثم لا حرمة للذمة حالة القتال ، والصيال . وعلى الجملة الاستسلام للكافر ذُلّ . 11245 - وتمام البيان في هذا أنه كما يدفع الصائلَ عن نفسه كذلك يدفعه عن قريبه وحميمه ، وعن الأجنبي منه . وهل يجوز له ترك الذبّ ، أم يجب عليه أن يبذل وسعه في الدفع عن غيره ؟ فيه تردّدٌ للعلماء ، وهو من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن
--> ( 1 ) وجه الاستدلال بالآية : أن الصبي والمجنون لا يبوءان بالإثم ، فهما كالبهيمة من هذه الناحية . ( 2 ) وهذا الوجه هو الأشبه ، كما عبر بذلك الرافعي . ( ر . الشرح الكبير : 11 / 315 ) .